إعترافات " حمرون " الاعتراف الأول : أراك يا سيدتي القدرية الحب , سهلا واسعا فسيحا وممتدا بالجمال , الذي ترفل له عيون الحمير أمثالي ... سهلك المترامي الأطراف شمالا وجنوبا , شرقا وغربا , يموج بالإخضرار والإفترار كيفما توجهت ... سهلك التاريخي متشحا بسندس وأكاليل ومساكب من الأزهار ... تتمايل , تتهادى عناصره حانية تحت أشعة الشمس الدافئة , التي تحتضنه بمودتها ورحمتها ... تحيط بسهلك الوسيع الفسيح الورود النضرة المتفتقة بكل الأشكال والألوان ... وتجري في عرصاته وتموجاته السواقي الحالمة والجداول الرقراقة المياه , العذبة المذاق القراح الينبوع , التي تحيي وتنعش من يرتشف منها ولو قطرة ... تتلاعب النسيمات الصباحية المنعشة بأعشاب سهلك الممتدة وتغازل أشجاره الباسقة , مدغدغة بأثيرها الهائم الناعم رؤوس وريقاتها الغاوية ... وتتألق قطرات الندى الصباحية على الوريقات الخضراء , كأنها اللؤلؤ البراق ... لوحات من الجمال السرمدي ... ولوحات ناطقة بالحب , كارزة بالعشق , ناطقة بالهيام متفتقة بالإغراء , متهادية بالجمال الذي يهيم آخذا بالنفس الرومانسية الحمارية والحمرونية ... أرى نفسي يا سيدتي القدرية في الحب , في رحاب واحتك الخضراء هذه , حمارا عربيا أصيلا ... أحمل وراثيا كل صفات الحمرنة التاريخية العربية , وكل الصفات الحمرونية الجغرافية , منذ البدء , ولادة مباركة بين حدود المياه والمياه ... وحتى هذا اليوم المقدر من الخالق , مرورا بكل مراحل التهجين والتأهيل والتطبيع والحيونة والحمرنة من المحيط الممتد الى الخليج الحر المتنافس عليه تاريخيا بين الفرس العجم وعربان الضاد , أبطال الردة التاريخية ... دخلت واحتك يا سيدتي قدرا مقدرا من حيث أدري أو لا أدري ... وربما أخطأت الدرب ودخولي ... ولكن لا هم في الأمر ... فقد متعت الطرف بكل لوحات الجمال , في خضيلتك المميزة رونقا مصطنعا أخاذا وبريقا مزيفا ... تفاعلت كثيرا وطويلا مع مشاهداتي البصرية الممتدة , دون الوعي البصيري باطنيا ... فتحركت قريحتي العربية الشرقية الحمارية المنتسب قدرا إليها... وكتبت لك النثر والشعر بجنون الهائم المتيم , قصائد ونثائر ووجدانيات حب شفيف طاهر مقدس خالص ... وأبدعت بحمرنتي الموروثة في هذا الزمان والمكان , فنا تشكيليا مغايرا رسما ونحتا وابتكارات ... في ومضة من طرفة عين حمرونية ... حدثت نفسي بنجمة الصبح الفلكية , محاكاة تخاطريا في البعد ... ووسمتك سيدتي بها تيمما وتبريكا ورؤى أخرى ... خالجتني نفسي وتخالجني استشعارا في البعد الآخر ... وغدوت من حيث لا أدري , جحشا أعدو في سهلك الممتد على غير هدى ... أمارس رياضة العاشق الولهان ... أرفس الأرض بأقدامي إباء وعنفوانا وكبرياء حماريا ممهورا ... وتعمدت التلويح بذيلي لغاية في نفسي , أقلها احتراما لك , وأتظاهر تقية بطرد بقايا الذباب عن مؤخرتي , رغم أن الذباب لا يقترب مني أبدا , ولا تعروني البراغيت ... أنا يا سيدتي القدرية في الحب الحماري , نظيف جدا في جسدي ونفسي ودمي وقلبي وتفكيري وكتاباتي ونسبي وحسبي ولست كالباقي من الحيوانات ... وأنا يا سيدتي في الحب , لا أتمرغ في الوحول كالحصان المعروف جمالا ظاهريا وغيره ... ولا تعيش الحشرات في جسدي كالبق والقمل والقراد في الخيل ... وأنا كما تعلمين مرح كثير الملاعيب ... لكن ضنك العيش وسوء المعاملة ذهبا بجمالي وحلاوتي ولطافتي ... أنا يا حبيبتي رزين جدا , وفهيم جدا ومتأمل في خلق الله متفكر فيه , فتتجلى لي قدرة الله من خلال قدرة خلقه , وتتراءى لي رحمة الباري من خلال بديع صنعه ... وأنا أحب صاحبي ولا أبيعه في سوق النخاسين ولو أساء معاملتي , أشم رائحة من أحب عن بعد , وأميزه عن غيره من الكل ... وأنا حديد البصر وإن كانت عيناي حزينتان دائما , مغرورقتان بالدمع أبدا فأنا أبكي من ألمي على البشر الإغبياء ... وأنا شديد السمع جلاءا وحاد الشم جلاءا وشفيف المشاعر جلاءا ... وأنعت بطول أذاني عجبا حمرنة , وأذاني كما الطبق الممغنط اللاقط " الدش " أو الهوائي ... أستقبل بأذاني ما لا يرقى البشر لاستقباله ... أنا حمار لكنني فنان أحب الموسيقى والغناء , وأطرب ثملا بالعزف على العود والكمان ... فإذا ما عذبني البعض أفغر فاهي وأقلص جحفلتي , على أسلوب قبيح جدا , وتظهر علي علامات الهزء بالناس ... وهكذا سيدتي القدرية في الحب ... فصفاتي مغايرة جدا لصفات البقية من فصيلتي الحيوانية ... مخلص لصاحبي وإن نأى , وفي لمن أحب وإن جفا , خدوم للغير بقوة دون هدف انتهازي ... صادق مع نفسي ومع الآخرين ... عنيد جدا في موقفي حتى الموت ... رافض قطعا كل ما لا يتوافق ورأيي ... ذكي جدا في تفكيري وإن تظاهرت بالغباء ... فكم وكم رسمت الطرق والشعاب , بهندسة فريدة في الجبال والوهاد والوديان , مما يعجز عنه أساطين هندسة المواصلات في العالم ... اختارني نبي الله نوح وقرينتي الأتان , في عداد من أنقذ من الطوفان , لاستمرار الحياة والبشرية , وأودعني فلكه التاريخي لحين ... أحفظ عاداتي التي تعودت عليها , عراقة تاريخية وتراثا قديما أعتز به ... أواظب على مساراتي ولا أتغير بها , ولا أمارس التذبذب في المواقف , ولا أمارس اللف والدوران على محوري ... كلماتي موقفي وموقفي سلاحي ... أجاهر برأيي على سن الرمح , حتى ولو وقع الموت علي أو وقعت على الموت ... أصبر وأصابر وإن أرهقت كاهلي , الأحمال والتكاليف والمواقف الصادقة الجريئة ... أحب بصدق ما بعده صدق ... وأصبر على الضنك في العيش والقهر في هذه الحياة ... وأقتات الشوك في غالب الأحيان وأرضى بنعمة الله تعالى ... يقابلون وفائي وإخلاصي , بالضرب والتعذيب والإهانة والتشنيع ... ويسبغون علي صفات البلاهة والغباء ... فقط لأنني أتمتع بطيبة في قلبي , ونظافة في تفكيري , وقدسية في روحي , وشفافية في حبي ... وأتقبل وأصبر وإن على مضض ... على ما أوصف به من نعوت ما أنزل الله بها من سلطان ... ولا تمت لي بصلة لا من قريب ولا من بعيد , وأظلم فيها كما ظلم أجدادي القدماء وأجرد من مقومات حريتي كما جردوا من حقوقهم التاريخية والجغرافية والإنسانية ... أضحك دائما وطويلا ملء شدقي سخرية ... جامعا بين الفهم والذكاء والعناد المضحك المبكي في آن ... كون مطلقي الصفات الشنيعة بحقي أغبياء البشر , أعداء الحقيقة وأنفسهم , كفار فجار وفساق ... لا يفقهون شيئا من حقائق الأمور ... يتلهون بفقاقيع الصابون الطافية فوق الجواهر , والتي تختفي بسرعة ... وكأنها السراب في متاهات الصحراء ... أنا يا سيدتي القدرية الحب ... شديد الحذر والفطنة في كل شيء , أمتلك من الله تعالى ذاكرة عجيبة غريبة , ولا أثق بأحد على الإطلاق كان من يكن ... حتى لا أعثر في مكان مرتين , ولا أتورط في شيء ما ... ولا أأمن ماءا لا عهد لي به ... ولا أشرب من ماء لا أمتحنه بوسائل عدة ... أنكر كل رأي جديد دون بحث أو نظر ...شرس جدا في أخلاقي ... فإذا انزلقت فوق الأعشاب في واحتك أو في المروج المترامية في سهلك , أو في نبات السرخس المنتشر في حنايا رياضك , فأنا لا أتمرغ في الحمأة وألوث أقدامي وجسدي ... بل أتجنب الوحول نظافة , والنظافة من الإيمان ... ولا أسمح لإقدامي أن تتبلل ... وأحافظ على نظافتي وطهارتي الجسدية ... متأهبا لعبادة ربي سرا وعلانية , متبعا التقية في كل المواقف ... أنا يا سيدتي المحبوبة , أمارس النهيق احتجاجا في واحتك منذ زمن ... وما زلت وسأبقى ناهقا ثائرا ورافضا ... رغم أني لا أجد حولي في واحتك المخضلة ظاهريا إلا صحراء قاحلة , رمالها حارقة ... لا ماء فيها ولا كلاء ... بالرغم من كل ما يتراءى من مظاهرها الوارفة الظلال وبالرغم من أن صوتي منكرا ... وأنكر الأصوات صوت الحمير كما جاء في كتاب السماء ... ولكن الحق أنهق به , ليلا ونهارا , سرا وجهارا ... وهل يا صاحبة الجلالة , من صوت ثوري رافض للذل العربي إلا صوتي الحماري ؟!... وهل من كلمة ثورية رافضة للإنسطاح والإنبطاح أمام الصهيونية العالمية من أميركا إلى أوروبا إلى الشر المطلق , إلى قرطة مجلس الأمن ومعاقون الأمم المتحدة كفرا ونفاقا ؟!.... إلا كلماتي الثائرة الرافضة ؟! ... يا سيدتي المغرورة بنفسها فراغا قاتلا , اللاعبة لعبة كشفتها في بدايتها ... أنا أعتز بحمرنتي ... وأعتز بخصالي الحمارية ... وأعتز بكلماتي الحمرونية , وأفاخر الجميع دون استثناء وأتحدى ... وأعتز بصوتي وأن كان أنكر الأصوات ... ومن كان صوته أفضل شرفا وحسبا ونسبا وثورة ورفضا وجهورية ... فليتفضل إلى الساح وينهق معي في وجه الظلم والطغيان والعربدة الإسرائيلية في أرض الميعاد , فلسطين المغتصبة قهرا وعهرا عصريا , بمباركة ما يسمى أمم متحدة ومجلس أمن ... دول , شعوب , عصابات واتحاد أمم , كل ما فيها أذي وكل ما فيها رمم , كاذبون حكامها مصابون بالصمم , والمتبرنطون وذوي القلانس والعمم ... أمم أمم أشكال بلا همم , بقر حمر دواب ماعز وغنم , عمي خرس طرش صمم , كل من فيهم رمم وكل عدم ... حضارة العصر شهوة تضرم النار , تلهب البيد الممتدة بالدك المرعب , تزرع الأرض بالخراب والدمار , تحرق الزرع والضرع بالقصف الملهب ... أتهم الكل لا أستثني أحدا , لصوص مجرمون أعدى العدا , يعيثون الأرض بالفساد مددا , اقتلوهم جميعا لا ترحموا أحدا ... الاعتراف الثاني : عفوا سيدتي المرأة ... أنا في صحراؤك تائها هائما ... تغرقني رمالك المتحركة ... ويصيبني العطش من لظى حرارتك الحارقة ... فأتحول إلى أفعوان أعيش في كثبان رمالك دون أن أغرق ... ألسع وألدغ من يقف في دربي أو يعترض طريقي ... وأغرز نابي المسنن بالسم القاتل في أي ناحية من جسده ... لا أهتم بقي حيا أو مات ... فالغاية تبرر الوسيلة في تحولي الجديد ... ولكنني أبذل جهدي محاولا التكييف مع مناخك النسائي الصحراوي ... يتبع لاحقا ... كتبها حافر حمرون
.
.
الثلاثاء, 08 جمادى الثانية, 1427

أهلا بك سيد حمرون
(3) تعليقات
أضف تعليقا
اضيف في 09 جمادى الثانية, 1427 12:46 م , من قبل halimreroo
من مصر
من مصر

بسم الله الرحمن الرحيم
بشكرك على المقال وعلى زيراتك لموقعي
اضيف في 10 جمادى الثانية, 1427 12:01 ص , من قبل مريم
من لبنان
من لبنان

اخي العزيز خيال واسع ورائع وعلى طريقة ابن المقفع ارجو لك التوفيق واتمنى زيارتك لمدونتي اكون لك من الشاكرين
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.















من مصر
الأستاذ الفاضل :حسين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أرى أنها اعترفات جريئة
فهل ياترى لأنها اعترفات السيد حمرون
هل لوكانت اعترفات أحد بنى الإنسان كانت ستكون بنفس الجرأة ونفس الإبداع
مع تقديرى واحترامى
أخوك
محمد