تجربة بقلم: حسين أحمد سليم بِقاعيٌّ من قرى غربي مدينة
الشّمس بعلبك, أحمل كلّ الرّؤى في أحاسيس ومشاعر الحنين والعشق والتّوجّد في شغاف
القلب, وكلّ ما يتناهى لوجداني من خواطر فلسفة الخلق والإبداع أدبا وفنّا... أتيتُ
على صهوة فعل التّواصل بالأرحام, مُقلبنا عقلي ووجداني بنبل العاطفة, ومُعقلنا
قلبي بالتّفكّر... حاملا كلّ موروثات العنفوان القرويّ, من معقل ومربض النّسر
العربيّ المحلّق في الفضاءات... أتيتكم أحبّتي لابسا ثياب
الإحرام, وفولار الشّارة الخشبيّة في رقبتي, على صدري يتلألأ وسام الشّرف ووسام
الخدمة العامّة... طاهر الفكر والقول والعمل تمسّكا بالقوانين الكشفيّة, أسترشد
ببوصلتي التي ما خابت يوما في إرشادي للوجهة الأقوم... جئتُ أعتمرُ في الجنوب
المقاوم, أشيب الرّأس, أحمل خيمتي على ظهر كهولتي, أتوكّأ على عصاتي التي شاخت
قبلي, أُسِرُّ في آذانكم همس حكايتي وميثولوجيا أسطورتي... قد نويت أحجّ بدلا عن
البيت الحرام بمكّة هنا في الأنصار, فاسمحوا لي أن أطوف طوافي المفروض حول البيت
العتيق لكشّافة الرّسالة الإسلاميّة, بدءا من الحجر المبارك في رُكن البيت, وأن
أشوط بعض الأشواط, بين بعلبك والضّاحية الجنوبيّة وزفتا والنّبطيّة, تكفيرا عن
ذنوب تُمسك بأذيال الذّنوب, قبل أن أتبرّك بزيارة جبال الرّحمة الشّمّ في أرض
الطّيب, وأقيم معظمة القربان لوجه الله تعالى هنا في هذا المّجمّع... غربي مدينة الشّمس, التي
تُشرق الشّمس من كوّة مدخلها الجنوبيّ, حيث مرقد الإطمئنان لجنين إمام الثّوّار, من
زمن السّبي على أيدي جلاوزة الكفر والعهر, حجر الحُبلى قدرا يُشير إلى الشّمال, مذ
قُطع في مكانه المعروف, باتّجاه الكوكب الدّرّيّ في القطب الشّمالي, في مستقيم
صاعد من الرّأس إلى قلب كوكبة الدّبّ, إشعاعا فضّيّا لامعا في فضاءات مدينة
الشّمس, تعرج فيه الحقيقة من منبت شجرة السّرو التّاريخيّة, أمام مقام خولة بنت
الحسين, لتبقى تتماهى أبد الدّهر, في محاكاة مع نجمة الصّبح القدريّة... غربي مدينة الشّمس, على مرمى
البعد البصريّ, حيث المعبد القديم ما زال قائما , عند مرقد إمام زمانه جدّي سليل
حبر الأمّة, هناك, انتحرت الحياة بالحياة وماتتا معا, لتولد من قلب الموت الحياة
مُجدّدا, في كنف مرقد نبيّ الرّشاد, قاب قوسين أو ادنى, من صومعة الوليّ الصّالح
أحمد الطّائع في حدث بعلبك... تحملني الحياة صغيرا مُعدما,
على أكفّ الفقر في غفلة من العمر, مودّعا على كره مسقط رأسيّ وملعب طفولتي, إلى متاهات
التّخوم الجنوبيّة لمدينة الغدّ الحلم, هناك ترمي بي الأقدار عنوة قهر, تتراءى لي
كلّ الأشياء سرابا, وكلّ الأحلام رؤى يبابا, ليُقيم فقر أبي مضارب خيمنا على ضفاف
نهر الغدير, بين أشجار الزّيتون, قرب مدينة الفقراء حيّ السّلّم, حيث نشأتُ
وترعرعتُ وشببتُ وعشقتُ, واقترنتُ بالحبّ وأنجبتُ للعشق, كواكب ثلاثة وحمت بهم
قرينتي فأتوا فقراء معدمين على شاكلتي, عشقوا الفنون الأدبيّة والفنون التّشكيليّة
واقترنوا بها على سنّة الله ورسوله... تعرّفت في حيّ السّلّم إلى
المدرسة, التي فشلت من فقري بنيل العلم على مقاعدها, وراحت تتماهى على صدري أوسمة
الفشل حاسدة أوسمة الفقر, فحملني جموح الشّباب إلى الولوج في عالم الهندسة
والفنون, فتعارفنا وتآلفنا وتوافقنا وتكاملنا, وحقّقتُ ما كنتُ أصبو إليه في مُحاكاتي
للأحلام العِذاب... لعب الحظّ لصالحي في مدينة
الفقراء حيّ السّلّم, وحملتني الرّحمة والمودّة إلى الإنتساب الرّوحيّ للمحرومين,
فكتبت أولى خواطري في العداد الأولى لنشرة أمل ورسالة, والتي أصبحت أمل بعد العدد
الذي حمل الرّقم ثلاثون, ثمّ العواصف لاحقا, وامتدّت لحقبة زمنيّة طويلة... وتعرّفت
حينها لمصطفى شمران وحسين قطيش الحاج نعيم قاسم والشّيخ حسن المصري وآخرون, وساهمت
إلى جانب أقران لي في حيّ السّلّم, بعضهم انتقل لعمل آخر, أحمد المصري ومحمد عبّاس
الموسوي وآخرون في المّخيّم الأوّل لكشافة الرّسالة الإسلاميّة, في صحراء
الشّويفات بين أشجار الزّيتون, على مقربة من سور محميّة التّيرو, شرقي مطار بيروت
الدّوليّ, وكانت بداياتي الكشفيّة والحركيّة في حيّ السّلّم, حيث شاركت بفعاليّة
في تأسيس وإصدار وترخيص ومتابعة وتنفيذ أعداد مجلّة صدى الرّسالة, التي كانت تشغل
مكتبا صغيرا, يُقيم فيه اليوم الدّكتور نزار الطّفيلي, ومن مكتب مجلّة صدى
الرّسالة, تخرّجت لأمتطي صهوة الإبداعات الصّحفيّة في الفنون الأدبيّة والفنون
التّشكيليّة, عبر الصّحف والمجلاّت اللبنانيّة والعربيّة وصحافة الشّبكة العالميّة
العنكبوتيّة للمعلومات "النترنت"... ومن حيّ السّلّم انطلقت إلى مفوضيّة
بيروت الكشفيّة, فالمفوضيّة العامّة, فالقيادة العامّة, فكنت أوّل من أدخل المكننة
الإداريّة في الكشفيّة تنظيما وبرمجة, وشغلت العديد من المهامّ الكشفيّة,
التّدريبيّة والإداريّة والفنّيّة والصّحفيّة والعلاقات العامّة والإعلام, وتمثيل
جمعيّة كشّافة الرّسالة الإسلاميّة في اتحاد كشاف لبنان, وفي العديد من الإحتفالات
واللقاءات الكشفيّة في كلّ أنحاء البلاد, وبنيت العديد من العلاقات للجمعيّة, مع
العديد من السّفراء والقناصلة العرب في لبنان, ممّا أثار حفيظة بعض القيادات خوفا,
فوشوا بي للسلّطات وحرموني من بناء العلاقات, وبدأت الحرب ضدّي بالتّحريض عليّ
لبعض النّفوس المريضة, بافتعال ما لم يُنزل به الله من سلطان... لأُقصى فجأة بقرار
على ذمّة البعض الواسعة, عن الجمعيّة وأُحرم ظلما وجورا ومظلوميّة في غفلة من ضمير
ووجدان, وممّا زاد في وقع الظّلم عليّ, ممارسة لصوصيّة في سرقة ابتكاري الفريد
لشعار حركة أمل, الذي وضعت تصميمه في العام 1982 للميلاد, وقدّمته هديّة لمجلس
قيادة حركة أمل في ذلك الوقت... وانتحال تصميمه من قبل فنّان صار اليوم في ضيافة
الرّحمن... وما زال جلّ القيادات على قيد الحياة إلاّ قليل منهم, يُمعنون تجاهلا
للحقيقة, والحقيقة تبكي الظّلم عند أعواد أقواس محاكم العدل والقسطاس في
الميزان... كشّافة الرّسالة الإسلاميّة,
مدرسة كبرى في الحياة, انتسبت إليها قناعة ذات يوم مضى, وفيها تعلّمت ما لم تمنح
لي شرف علمه المدارس التّقليديّة, ومنها تخرّجت برتبة رفيعة سامية أعتزّ بها
عنفوانا, لم تستطع الجامعات أن تُبوّؤني مثلها, وفي غمار تجاربها ونشاطاتها, مُنحت
كريم الصّفات والألقاب, أوسمة شرف وخدمات ودروع تقدير, ومن وحي فضاءاتها تناهت
إليّ رؤى البعد, فغامرتُ وحقّقت الكثير من الأماني والأهداف وما زلت رغم عتيّ
العمر اتحدّى الصّعاب فتتزلّل أمامي بقدرة ورحمة ومودّة من الله... وخاسر من لم
يرحمه الله بالإنتساب لهذه المدرسة ولو كان ثريّا, والخاسر الأكبر من لم يتعلّم
على مقاعد هذه المدرسة ولو كان فقيها, وجاهل من لم يتنعّم بفيء ظلال واحات ودوح
كشّافة الرّسالة الإسلاميّة ولو كان فيلسوفا, وكلّ من في جمعيّة كشّافة الرّسالة
الإسلاميّة رسول محبّة وعرفان, وداعية معرفة وسلام, ونبيّ هدي ورشاد في لبنان
والعالم... روّاد ومرشدات جمعيّة كشّافة
الرّسالة الإسلاميّة, صفوة القدامى الذين حملوا شرف التّخرّج من جامعات كشّافة
الرّسالة الإسلاميّة, برتبة دكتوراه فخريّة أمنحها على مسؤوليّتي وأتحدّى بها كلّ
الجامعات, وأولو الأمر الذين لا أمر لهم, هؤلاء الرّوّاد هم اليوم يحملون بين
أكتافهم, مسؤوليّة تكليفيّة إيمانيّة علويّة حسينيّة صدريّة بِرّيّة معولمة العصر,
تقضي بحكم مبرم غير قابل للعزل على الكلّ دون استثناء, صون وحفظ وعون ورعاية
وتنمية ومتابعة ومساهمة ودعم وبذل وعطاء ومنح وهبة وتقديم وسهر دون قيد أو شرط,
لجمعيّة كشّافة الرّسالة الإسلاميّة بكلّ غال ونفيس... وحرام ثمّ حرام ثمّ حرام
ثمّ حرام الصّدّ أو المنع أو التّلكؤ أو التّهاون أو البُخل أو التّقتير, أو
محاولة الوقوف بوجه مسيرة الأمل والحياة مهما كانت الأسباب... وكافر كافر كافر
كافر من يتخلّى أو يتقاعس أو يتراجع أو يهن عن شرف القيام بهذا الواجب ولو كان
مؤمنا... ويتحمّل المسؤوليّة كاملة دون نُقصان كلّ من فينا من الصّغير إلى الكبير,
ومن القائد إلى المقود... اللهمّ إشهد أنّنا بلّغنا
الرّسالة التي نفخر بحملها قربة لك, في وجداننا وعقولنا وقلوبنا وأنفسنا وأرواحنا
وأفئدتنا ورؤانا وبعدنا الفكريّ وفلسفتنا الوجدانيّة... فمن شاء السّير معنا في
دروب ذات الشّوكة, فعلى الرّحب والسّعة له ما لنا وعليه ما علينا... ومن أبى علينا
تكليفنا الإيمانيّ على منهج الصّدر والبِرِّ, في عقلنة قلوبنا وقلبنة عقولنا, تقوى
بكشافة الرّسالة الإسلاميّة, ندعوا له الله تعالى أن يُشفيه من لوثة الهذيان وربقة
الجنون والهيام على وجهه في متاهات الضّياع, وأن يردّ عليه نعمة الوعي الباطني
والعرفان الذّاتي, والسّمع لصوت الحقّ والرّؤية لمعالم الحقيقة...
.
.
الخميس, 28 رمضان, 1430
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.













